بعد 10 سنوات من آخر معرض شخصي:      "كوسموس"حليم قارة بيبان بين تونس وبرلين

بعد عشر سنوات من آخر معرض شخصي له في تونس

يعود الفنان التشكيلي حليم قارة بيبان حاملا عالما تشكيليا أنجزه بعيدا عن وطنه تونس. فقد رسم لوحاته في برلين حيث يقيم، لكنه ظلّ مشدودا بخيوط غير مرئية إلى ذاكرة المكان الأول والمنزل الأول.

في معرضه الجديد " كوسموس" أو "تحولات كونية" كما هو العنوان العربي للمعرض الذي سيحتضنه رواق القرجي بسيدي بوسعيد انطلاقا من يوم 29 أكتوبر الجاري، لا تبدو العودة مجرّد استعادة للقاء مع الجمهور التونسي، بقدر ما تمثل شبه عبور داخل متاهة من الصور والرموز والكوابيس الساخرة.  فتتداخل الذاكرة بالهذيان، ويتحوّل العبث إلى مرآة تعكس اختلالات الواقع.

عالم مقلوب على حافة الحلم

في لوحات حليم قارة بيبان، لا تخضع الصورة لقوانين الواقع المألوف، ولا تبدو الشخصيات والكائنات والأشياء وكأنها تنتمي إلى عالم مستقر. فهي أقنعة ووجوه هجينة، وعجلات وسلالم، وأبنية يستحيل تصديقها، وأجساد معلّقة في فضاءات ملتبسة، تتجاور في مشاهد كثيفة تتأرجح بين السخرية والقلق، وبين اللعب والمأساة. كأننا بالفنان يقود أوركسترا من الفوضى، لكنه لا يترك عناصرها تتصادم اعتباطيا  إنما ينظّم هذا الاضطراب ليكشف ما يختبئ تحت سطح الحياة اليومية من تصدّعات وتناقضات.

في هذا الكون التشكيلي، يصبح الغريب مألوفا، والمألوف مثيرا للريبة. فالأشياء تفقد وظائفها الأصلية، والشخصيات تتحرّر من هوياتها الواضحة، فيما تتداخل العمارة بالجسد، والواقع بالخيال، والضحك بالخوف.إنّه عالم يبدو للوهلة الأولى مرحا ومتحرّرا، قبل أن تكشف تفاصيله عن شيء من القسوة والاختناق، وكأن الكابوس يرتدي قناعاً هزليا كي يتمكّن من الاقتراب منا.

ومن هذه المنطقة الفاصلة بين الحلم والكوابيس الساخرة، يستمدّ معرض "كوسموس" خصوصيته، فالفوضى  لا تناقض الإبداع و السخرية لا تدعو للضحك بقدر ما تكشف  عبث الواقع.

من فسيفساء باردو إلى كوابيس الحاضر

لا ينبني العالم التشكيلي لعبد الحليم قارة بيبان على مرجعية واحدة، إنما ينهل من  حوار متعدّد الطبقات بين الذاكرة المحلية والتجارب الفنية العالمية. فمن فسيفساء المتحف الوطني بباردو إلى الرسم الشعبي على الزجاج، ومن تجارب التونسي قويدر التركي  إلى عوالم هيرونيموس بوش ورينيه ماغريت ومارك شاغال وفرانسيس بيكون، تتكوّن لغة بصرية تستوعب تأثيراتها من دون أن تتخلّى عن خصوصيتها.

غير أنّ استدعاء التراث التونسي لا يأتي في هيئة احتفاء نوستالجي بالماضي البعيد، ولا بوصفه زينة بصرية تستحضر الأمجاد القديمة. فالأطلال القرطاجية، والإلهة تانيت، وفيلة حنبعل، وغيرها من العلامات المستقرة في الذاكرة الجماعية، تعود إلى اللوحة كأنها شظايا خرجت من طبقات الزمن لتواجه الحاضر بأسئلته المفتوحة. إنّها ذاكرة لا تكتفي بإثبات ما كان، بقدر ما تحاول مساءلة ما بقي منه، وكيف يمكن للماضي أن يستمرّ داخل الحاضر، متحوّلا من أثر تاريخي إلى طاقة تخييلية.

العبث شكل من المقاومة

تتجلّى إحدى أبرز سمات تجربة حليم قارة بيبان في عجائبية لوحاته التي تتشكّل عبر مسار إبداعي قريب من آليات التلقائية السريالية، حيث تتحرّر الخطوط من الرقابة المباشرة للعقل، وتترك المجال للصور كي تتوالد وتتداخل. ومن هذا المسار تنبثق عوالم تحمل توتّرات المجتمع التونسي المعاصر، وتترجم إحساسا بأنّ الأشياء خرجت عن مساراتها، وأنّ الثوابت التي كانت تنظّم الحياة أخذت تتداعى.

تتكرّر العجلات والسلالم والأشكال الهجينة بوصفها علامات على عالم فقد توازنه. فالعجلة قد توحي بحركة لا تفضي إلى وجهة، والسلّم قد يقود إلى فراغ، فيما تبدو الأجساد والأشياء عالقة في علاقات ملتبسة لا تحكمها قوانين واضحة. ومن خلال هذه الاستعارات البصرية، لا يقدّم الفنان خطابا سياسيا مباشرا... إنه  يترك  في المقابل المهمة للصورة  لتفكّك الواقع وتكشف تناقضاته عبر المبالغة والتشويه والمفارقة.

تمنح الألوان والأشكال اللوحة بُعدا أكثر مرحا وإغراءً، لكنّها لا تبدّد التهديد الكامن فيها. فخلف البهجة اللونية تختبئ هشاشة العالم، وخلف غرابة الشخصيات يتوارى قلق الإنسان أمام واقع يصعب الإمساك بمنطقه. فيصبح أسلوب "التشويه  والمبالغة، أداة لمقاومة العبث لا للهرب منه. وتصبح السخرية وسيلة لاستعادة القدرة على النظر إلى ما يبدو عصيّا على الفهم.

كوسموس... كون خاص

يحمل عنوان المعرض كوسموس إيحاءً بكون خاص، تتجاور داخله عوالم متنافرة وتتعايش صور لا يجمعها منطق الواقع بقدر ما توحدها مخيلة الفنان. وبين الرسم والحفر، تتّسع هذه التجربة لتشمل مستويات مختلفة من التعبير. انطلاقا من أثر الخطّ وتلقائيته،  مرورا بكثافة اللون، وصولا إلى التفاصيل الصغيرة إلى المشاهد التي تبدو كأنها مسارح مفتوحة على احتمالات لا تنتهي.

في لقاء الفنان التشكيلي حليم قارة بيبان مع الجمهور التونسي بعد 10 سنوات من آخر معرض شخصي له   تتحوّل المسافة إلى أداة للرؤية التي نتأخذ مسافة . فالفنان الذي يراقب بلده من برلين لا يتخلّص من ذاكرته، وإنما يعيد ترتيبها، ويختبر قدرتها على إنتاج صور جديدة، خارج الحنين الجارف وخارج التصوّرات الجاهزة عن الانتماء.

وقد عُرضت أعمال حليم قارة بيبان في فضاءات ومؤسسات فنية دولية، من بينها معهد العالم العربي في باريس ومؤسسة بارجيل للفنون في الشارقة ومؤسسة كمال الأزعر ومتحف فيتوريانو في روما ومتحف الفن الحديث في الجزائر، إلى جانب مشاركته في بينالي داكار، وغيرها من المحطات التي وسّعت حضور تجربته خارج الحدود التونسية.

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115